عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر وجاء الذين كانوا بأرض الحبشة بعث بعثين قبل الشام ، إلى كلب وبلقين، وغسان وكفار العرب الذين في مشارف الشام ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجراح ،
وهو أحد بني فهر ، وأمر على البعث الاخر عمرو بن العاص، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبو بكر وعمر ، فلما كان عند خروج البعثين ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص ، فقال لهما : لا تعاصيا ، فلما فصلا عن المدينة ، جاء أبو عبيدة ، فقال لعمرو بن العاص : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا أن لا نتعاصيا فإما أن تطيعني وإما أن أطيعك ، فقال عمرو بن العاص : بل أطعني ، فأطاعه أبو عبيدة ، فكان عمرو أمير البعثين كليهما ، فوجد من ذلك عمر بن الخطاب وجدا شديدا ، فكلم أبا عبيدة ، فقال : أتطيع ابن النابغة ، وتؤمره على نفسك ، وعلى أبي بكر ، وعلينا ، ما هذا الرأي ؟ فقال أبو عبيدة لعمر بن الخطاب : ابن أم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي وإليه أن لا نتعاصيا ، فخشيت إن لم أطعه أن أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشكى إليه ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بمؤمريها عليكم إلا بعدكم ، يريد المهاجرين ، وكانت تلك الغزوة تسمى ذات السلاسل أسر فيها ناس كثير من العرب ، وسبوا.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أسامة بن زيد ، وهو غلام شاب فانتدب في بعثه عمر بن الخطاب ، والزبير بن العوام ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل ذلك البعث ، فأنفذه أبو بكر الصديق ، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعث أبو بكر حين ولي الامر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث أمراء إلى الشام ، وأمر خالد بن سعيد على جند ، وأمر عمرو بن العاص على جند ، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند ، وبعث خالد بن الوليد على جند قبل العراق ، ثم إن عمر كلم أبا بكر ، فلم يزل يكلمه حتى أمر يزيد بن أبي سفيان على خالد بن سعيد وجنده ، وذلك من موجدة وجدها عمر بن الخطاب على خالد بن سعيد ، حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقي علي بن أبي طالب خالد بن سعيد ، فقال : أغلبتم يا بني عبد مناف على أمركم ؟ فلم يحملها عليه أبو بكر ، وحملها عليه عمر ، فقال عمر : فإنك لتترك إمرته على الثعالب ، فلما استعمله أبو بكر ذكر ذلك ، فكلم أبا بكر ، فاستعمل مكانه يزيد بن أبي سفيان ، فأدركه يزيد أميرا بعد أن وصل الشام بذي المروة ، وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد ، فأمره بالمسير إلى الشام بجنده ، ففعل ، فكانت الشام على أربعة أمراء حتى توفي أبو بكر.
فلما استخلف عمر نزع خالد بن الوليد ، وأمر مكانه أبا عبيدة ابن الجراح ، ثم قدم الجابية فنزع شرحبيل بن حسنة وأمر جنده أن يتفرقوا في الامراء الثلاثة ، فقال شرحبيل بن حسنة : يا أمير المؤمنين ! أعجزت أم خنت ؟ قال : لم تعجز ولم تخن ، قال : ففيم عزلتني ؟ قال : تحرجت أن أؤمرك وأنا أجد أقوى منك ، قال : فاعذرني يا أمير المؤمنين ! قال : سأفعل ، ولو علمت غير ذلك لم أفعل ، قال : فقام عمر فعذره ، ثم أمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، وبقي الشام على أميرين : أبي عبيدة بن الجراح ، ويزيد بن أبي سفيان ، ثم توفي أبو عبيدة بن الجراح ، فاستخلف خالدا ، وابن عمه عياض بن غنم ، فأقره عمر ، فقيل لعمر : كيف تقر عياض بن غنم وهو رجل جواد لا يمنع شيئا يسئله ؟ وقد نزعت خالد بن الوليد في أن كان يعطي دونك ؟ فقال عمر : إن هذه شيمة عياض في ماله حتى يخلص إلى ماله ، وإني مع ذلك لم أكن لاغير أمرا قضاه أبو عبيدة ابن الجراح.
قال : ثم توفي يزيد بن أبي سفيان فأمر مكانه معاوية ، فنعاه عمر إلى أبي سفيان ، فقال : احتسب يزيد يا أبا سفيان ! قال : يرحمه الله ، فمن أمرت مكانه ؟ قال : معاوية ، قال : وصلتك رحم.
قال : ثم توفي عياض بن غنم ، فأمر مكانه عمير بن سعد الانصاري ، فكانت الشام على معاوية وعمير ، حتى قتل عمير.
فاستخلف عثمان بن عفان فعزل عميرا ، وترك الشام لمعاوية ، ونزع المغيرة بن شعبة عن الكوفة ، وأمر مكانه سعد بن أبي وقاص ، ونزع عمرو بن العاص عن مصر ، وأمر مكانه عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ونزع أبا موسى الاشعري ، وأمر مكانه عبد الله بن عامر بن كريز ، ثم نزع سعد بن أبي وقاص من الكوفة ، وأمر الوليد بن عقبة ، ثم شهد على الوليد فجلده ، ونزعه ، وأمر سعيد بن العاص مكانه ، ثم قال الناس ، ونشبوا في الفتنة ، فحج سعيد بن العاص ، ثم قفل من حجه ، فلقيه خيل العراق ، فرجعوه من العذيب ، وأخرج أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وأقر أهل البصرة عبد الله بن عامر ابن كريز ، فكان كذلك أول الفتنة ، حتى إذا قتل عثمان رحمه الله ، بايع الناس علي بن أبي طالب ، فأرسل إلى طلحة والزبير : إن شئتما فبايعاني ، وإن شئتما بايعت أحدكما ، قالا : بل نبايعك ، ثم هربا إلى مكة ، وبمكة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بما يتكلما به ، فأعانتهما على رأيهما ، فأطاعهم ناس كثير من قريش ، فخرجوا قبل البصرة يطلبون بدم ابن عفان ، وخرج معهم عبد الرحمن بن أبي بكر ، وخرج معهم عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، وعبد الله بن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن الزبير ، ومروان بن الحكم ، في أناس من قريش ، كلموا أهل البصرة ، وحدثوهم أن عثمان قتل مظلوما ، وأنهم جاءوا تائبين مما كانوا غلوا به في أمر عثمان ، فأطاعهم عامة أهل البصرة ، واعتزل الاحنف من تميم ، وخرج عبد القيس إلى علي بن أبي طالب بعامة من أطاعه ، وركبت عائشة جملا لها يقال له عسكر ، وهي في هودج قد ألبسته الدفوف - يعني جلود البقر فقالت : إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني ، قالت : ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال ، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدا ، قالت : فلم يسمع الناس كلامي ، ولم يلتفتوا إلي ، وكان القتال ، فقتل يومئذ سبعون من قريش ، كلهم يأخذ بخطام جمل عائشة حتى يقتل ، ثم حملوا الهودج حتى أدخلوه منزلا من تلك المنازل ، وجرح مروان جراحا شديدة ، وقتل طلحة بن عبيدالله يومئذ ، وقتل الزبير بعد ذلك بوادي السباع ، وقفلت عائشة ومروان بمن بقي من قريش ، فقدموا المدينة ، وانطلقت عائشة فقدمت مكة ، فكان مروان والاسود بن أبي البختري على المدينة وأهلها ، يغلبان عليها ، وهاجت الحرب بين علي ومعاوية ، فكانت بعوثهما تقدم المدينة ، وتقدم مكة للحج ، فأيهما سبق فهو أمير الموسم أيام الحج للناس ، ثم إنها أرسلت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة قالت أحداهما للاخرى : تعال نكتب إلى معاوية وعلي أن يعتقا من هذه البعوث التي تروع الناس ، حتى تجتمع الامة على أحدهما ، فقالت أم حبيبة : كفيتك أخي معاوية ، وقالت أم سلمة : كفيتك عليا ، فكتبت كل واحدة منهما إلى صاحبها ، وبعثت وفدا من قريش والانصار ، فأما معاوية فأطاع أم حبيبة ، وأما علي فهم أن يطيع أم سلمة ، فنهاه الحسن بن علي عن ذلك ، فلم يزل بعوثهما وعمالهما يختلفون إلى المدينة ومكة ، حتى قتل علي رحمه الله تعالى ، ثم اجتمع الناس على معاوية ، ومروان وابن البختري يغلبان على أهل المدينة في تلك الفتنة ، وكانت مصر في سلطان علي ابن أبي طالب ، فأمر عليها قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ، وكان حامل راية الانصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وغيره سعد بن عبادة ، وكان قيس من ذوي الرأى من الناس ، إلا ما غلب عليه من أمر الفتنة ، فكان معاوية وعمرو بن العاص جاهدين على إخراجه من مصر ، ويغلبان على مصر ، وكان قد امتنع منهما بالدهاء والمكيدة ، فلم يقدرا على أن يفتحا مصر ، حتى كاد معاوية قيس ابن سعد من قبل علي ، قال : فكان معاوية يحدث رجالا من ذوي الرأي من قريش ، فيقول : ما ابتدعت من مكيدة قط أعجب عندي من مكيدة كايدت بها قيس بن سعد من قبل علي وهو بالعراق حين امتنع مني قيس ، فقلت لاهل الشام : لا تسبوا قيسا ولا تدعوني إلى غزوه ، فإن قيسا لنا شيعة ، تأتينا كتبه ونصيحته ، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا، يجري عليهم أعطيتهم وأرزاقهم ، ويؤمن سربهم، ويحسن إلى كل راغب قدم عليه ، فلا نستنكره في نصيحته ، قال معاوية : وطفقت أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق ، فسمع بذلك من جواسيس على الذين هدي من أهل العراق ، فلما بلغ ذلك عليا ، ونماه إليه عبد الله بن جعفر ومحمد ابن أبي بكر الصديق ، اتهم قيس بن سعد ، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا ، وأهل خربتا يومئذ عشرة آلاف ، فأبى قيس أن يقاتلهم ، وكتب إلى علي : أنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم ، وذوي الحفاظ منهم ، وقد رضوا مني بأن أؤمن سربهم ، وأجري عليهم أعطياتهم ، وأرزاقهم ، وقد علمت أن هواهم مع معاوية ، فلست مكايدهم بأمر أهون علي وعليك من أن نفعل ذلك بهم اليوم ، ولو دعوتهم إلى قتالي كانوا قرناهم أسودان لعرب، وفيهم بسر بن أرطاة ، ومسلمة بن مخلد ، ومعاوية بن خديج الخولاني ، فذرني ورأيي فيهم ، وأنا أعلم بما أداري منهم ، فأبى عليه علي إلا قتالهم ، فأبى قيس أن يقاتلهم ، وكتب قيس إلى علي : إن كنت تتهمني فاعتزلني عن عملك وأرسل إليه غيري ، فأرسل الاشتر أميرا على مصر ، حتى إذا بلغ القلزم شرب بالقلزم شربة من عسل ، فكان فيها حتفه ، فبلغ ذلك معاوية وعمرو بن العاص ، فقال عمرو بن العاص : إن لله جنودا من عسل ، فلما بلغت عليا وفاة الاشتر ، بعث محمد بن أبي بكر أميرا على مصر ، فلما حدث به قيس بن سعد قادما أميرا عليه ، تلقاه ، فخلا به ، وناجاه ، وقال : إنك قد جئت من عند امرئ لا رأي له في الحرب ، وإنه ليس عزلكم إياي بمانعي أن أنصح لكم ، وإني من أمركم على بصيرة ، وإني أدلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرو بن العاص وأهل خربتا ، فكايدهم به ، فإنك إن كايدتهم بغيره تهلك ، فوصف له قيس المكايدة التي كايدهم بها ، فاغتشه محمد بن أبي بكر ، وخالفه في كل شئ أمره به ، فلما قدم محمد بن أبي بكر مصر ، خرج قيس قبل المدينة ، فأخافه مروان والاسود بن أبي البختري ، حتى إذا خاف أن يؤخذ ويقتل ، ركب راحلته فظهر إلى علي ، فكتب معاوية إلى مروان والاسود بن أبي البختري يتغيظ عليهما ، ويقول : أمددتما عليا بقيس بن سعد ، وبرأيه ومكايدته ، فوالله لو أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لى من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي ، فقدم قيس بن سعد إلى علي ، فلما بانه الحديث وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر ، عرف علي أن قيس بن سعد كان يداري منهم أمورا عظاما من المكايدة التي قصر عنها رأي علي ورأي من كان يوأزره على عزل قيس ، فأطاع علي قيسا في الامر كله ، وجعله على مقدمة أهل العراق ، ومن كان بأذربيجان ، وأرضها ، وعلى شرطة الخمسين الذين انتدبوا للموت ، وبايع أربعون ألفا كانوا بايعوا عليا على الموت ، فلم يزل قيس بن سعد يسد... ذلك الثغر حتى قتل علي.
واستخلف أهل العراق الحسن بن علي على الخلافة ، وكان الحسن لا يريد القتال ، ولكنه كان يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ، ثم يدخل في الجماعة ويبايع ، فعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على ذلك فنزعه ، وأمر مكانه عبيد الله بن العباس ، فلما عرف عبيدالله بن العباس الذي يريد الحسن أن يأخذ لنفسه ، كتب عبيد الله إلى معاوية يسأله الامان ، ويشترط لنفسه على الاموال التي أصاب ، فشرط ذلك معاوية له وبعث إليه ابن عامر في خيل عظيمة ، فخرج إليهم عبيدالله ليلا ، حتى لحق بهم ، وترك جنده الذين هم عليهم لا أمير لهم ، ومعهم قيس بن سعد ، فأمرت شرطة الخمسين قيس بن سعد ، وتعاهدوا وتعاقدوا على قتال معاوية وعمرو بن العاص ، حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا من الفتنة ، فخلص معاوية حين فرع من عبيدالله والحسن ، إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكيدة ، وعنده أربعون ألفا ، فنزل بهم معاوية وعمرو و أهل الشام أربعين ليلة ، يرسل معاوية إلى قيس ، ويذكره الله ، ويقول : على طاعة من تقاتلني ؟ ويقول : قد بايعني الذي تقاتل على طاعته ، فأبي قيس أن يقر له ، حتى أرسل معاوية بسجل قد ختم له في أسفله ، فقال : أكتب في هذا السجل ، فما كتبت فهو لك ، فقال عمرو لمعاوية : لا تعطه هذا وقاتله ، فقال معاوية - وكان خير الرجلين - : على رسلك ، يا أبا عبد الله ، فإنا لن نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يُقتل عددهم من أهل الشام ، فما خير الحياة بعد ذلك ؟ وإني والله لا أقاتله حتى لا أجد من ذلك بدا، فلما بعث إليه معاوية بذلك السجل ، اشترط قيس بن سعد لنفسه ، ولشيعة علي الامان على ما أصابوا من الدماء ، والاموال ، ولم يسأل معاوية في ذلك مالا ، فأعطاه معاوية ما اشترط عليه ، ودخل قيس ومن معه في الجماعة ، وكان يعد في العرب حتى ثارت الفتنة الاولى خمسة ، يقال لهم ذوو رأي العرب ومكيدتهم ، يُعَدّ من قريش معاوية ، وعمرو ، ويعد من الانصار قيس بن سعد ، ويعد من المهاجرين عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، ويعد من ثقيف المغيرة بن شعبة ، فكان مع علي منهم رجلان : قيس بن سعد وعبد الله بن بديل ، وكان المغيرة معتزلا بالطائف وأرضها ، فلما حكم الحكمان فاجتمعا بأذرح وافاهما المغيرة بن شعبة ، وأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر ، وإلى عبد الله بن الزبير ، ووافى رجالا كثيرا من قريش ، ووافى معاوية بأهل الشام ، ووافى أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص ، وهما الحكمان ، وأبي علي وأهل العراق أن يوافوا ، فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي رأي أهل قريش : هل ترون أحدا يقدر على أن يستطيع أن يعلم أيجتمع هذان الحكمان أم لا ؟ فقالواله : لا نرى أن أحدا يعلم ذلك ، قال : فوالله إني لاظنني سأعلمه منهما حين أخلو بهما فأراجعهما ، فدخل على عمرو ابن العاص فبدأ به ، فقال : يا أبا عبد الله أخبرني عما أسالك عنه ، كيف ترانا معشر المعتزلة؟ فإنا قد شككنا في هذا الامر الذي قد تبين لكم في هذا القتال ، ورأينا نستأني ونتثبت ، حتى تجتمع الامة على رجل ، فندخل في صالح ما دخلت فيه الامة ، فقال عمرو : أراكم معشر المعتزلة خلف الابرار ، ومعشر الفجار.
فانصرف المغيرة ، ولم يسأله عن غير ذلك ، حتى دخل على أبي موسى الاشعري ، فخلا به ، فقال له نحوا مما قال لعمرو ، فقال أبو موسى : أراكم أثبت الناس رأيا ، وأرى فيكم بقية المسلمين ، فانصرف فلم يسأله عن غير ذلك ، قال : فلقي أصحابه الذين قال لهم ما قال من ذوي رأي قريش ، قال : أقسم لكم ، لا يجتمع هذان على رجل واحد ، وليدعون كل واحد منهما إلى رأيه.
فلما اجتمع الحكمان وتكلما خاليين ، فقال عمرو : يا أبا موسى ! أرأيت أول ما نقضي به في الحق علينا أن نقضي لاهل الوفاء بالوفاء ، ولاهل الغدر بالغدر ، فقال أبو موسى : وماذاك ؟ قال : ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وافوا للموعد الذي وعدناهم إياه ، فقال :فاكتبها ، فكتبها أبو موسى ، فقال عمرو : قد أخلصت أنا وأنت أن نسمي رجلا يلي أمر هذه الامة فسم يا أبا موسى ، فإني أقدر على أن أبايعك على أن تبايعني ، فقال أبو موسى : أُسمي عبد الله بن عمر بن الخطاب - وكان عبد الله بن عمر فيمن اعتزل - فقال عمرو : فأنا أسمي لك معاوية بن أبي سفيان ، فلم يبرحا من مجلسهما ذلك حتى اختلفا واستبا ، ثم خرجا إلى الناس ، ثم قال أبو موسى : يا أيها الناس ! إني قد وجدت مثل عمرو بن العاص مثل الذي قال الله تبارك وتعالى * (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) * حتى بلغ (لعلهم يتفكرون) . وقال عمرو بن العاص : يا أيها الناس ! إني وجدت مثل أبي موسى مثل الذي قال الله تبارك وتعالى : * (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) * حتى بلغ(الظالمين) . ثم كتب كل واحد منهما بالمثل الذي ضرب لصاحبه إلى الامصار.
قال الزهري عن سالم عن ابن عمر ، قال معمر : وأخبرني ابن طاووس عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال : فقام معاوية عشية ، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، فمن كان متكلما في هذا الامر فليطلع لي قرنه ، فوالله لا يطلع فيه أحد إلا كنت أحق به منه ومن أبيه ، قال : يعرض بعبد الله بن عمر ، قال عبد الله بن عمر : فأطلقت حَبْوتي ، فأردت أن أقوم إليه ، فأقول : يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الاسلام ، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع ، وتسفك فيه الدماء ، وأحمل فيه على غير رأي ، فكان ما وعد الله تبارك وتعالى في الجنان أحب إلي من ذلك ، قال : فلما انطلقت إلى منزلي أتاني حبيب بن مسلمة ، فقال : ما الذي منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل أن يتكلم ؟ فقلت له : لقد أردت ذلك ، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع ، وتسفك فيها الدماء ، وأحمل فيها على غير رأي ، فكان ما وعد الله تبارك وتعالى في الجنان أحب إلي من ذلك كله ، فقال حبيب بن مسلمة لعبد الله بن عمر : فداك أبي وأمي ، فإنك عصمت ، وحفظت مما حفت عرته.
Öneri Formu
Hadis Id, No:
81202, MA009770
Hadis:
عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر وجاء الذين كانوا بأرض الحبشة بعث بعثين قبل الشام ، إلى كلب وبلقين، وغسان وكفار العرب الذين في مشارف الشام ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجراح ،
وهو أحد بني فهر ، وأمر على البعث الاخر عمرو بن العاص، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبو بكر وعمر ، فلما كان عند خروج البعثين ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص ، فقال لهما : لا تعاصيا ، فلما فصلا عن المدينة ، جاء أبو عبيدة ، فقال لعمرو بن العاص : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا أن لا نتعاصيا فإما أن تطيعني وإما أن أطيعك ، فقال عمرو بن العاص : بل أطعني ، فأطاعه أبو عبيدة ، فكان عمرو أمير البعثين كليهما ، فوجد من ذلك عمر بن الخطاب وجدا شديدا ، فكلم أبا عبيدة ، فقال : أتطيع ابن النابغة ، وتؤمره على نفسك ، وعلى أبي بكر ، وعلينا ، ما هذا الرأي ؟ فقال أبو عبيدة لعمر بن الخطاب : ابن أم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي وإليه أن لا نتعاصيا ، فخشيت إن لم أطعه أن أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشكى إليه ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بمؤمريها عليكم إلا بعدكم ، يريد المهاجرين ، وكانت تلك الغزوة تسمى ذات السلاسل أسر فيها ناس كثير من العرب ، وسبوا.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أسامة بن زيد ، وهو غلام شاب فانتدب في بعثه عمر بن الخطاب ، والزبير بن العوام ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل ذلك البعث ، فأنفذه أبو بكر الصديق ، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعث أبو بكر حين ولي الامر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث أمراء إلى الشام ، وأمر خالد بن سعيد على جند ، وأمر عمرو بن العاص على جند ، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند ، وبعث خالد بن الوليد على جند قبل العراق ، ثم إن عمر كلم أبا بكر ، فلم يزل يكلمه حتى أمر يزيد بن أبي سفيان على خالد بن سعيد وجنده ، وذلك من موجدة وجدها عمر بن الخطاب على خالد بن سعيد ، حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقي علي بن أبي طالب خالد بن سعيد ، فقال : أغلبتم يا بني عبد مناف على أمركم ؟ فلم يحملها عليه أبو بكر ، وحملها عليه عمر ، فقال عمر : فإنك لتترك إمرته على الثعالب ، فلما استعمله أبو بكر ذكر ذلك ، فكلم أبا بكر ، فاستعمل مكانه يزيد بن أبي سفيان ، فأدركه يزيد أميرا بعد أن وصل الشام بذي المروة ، وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد ، فأمره بالمسير إلى الشام بجنده ، ففعل ، فكانت الشام على أربعة أمراء حتى توفي أبو بكر.
فلما استخلف عمر نزع خالد بن الوليد ، وأمر مكانه أبا عبيدة ابن الجراح ، ثم قدم الجابية فنزع شرحبيل بن حسنة وأمر جنده أن يتفرقوا في الامراء الثلاثة ، فقال شرحبيل بن حسنة : يا أمير المؤمنين ! أعجزت أم خنت ؟ قال : لم تعجز ولم تخن ، قال : ففيم عزلتني ؟ قال : تحرجت أن أؤمرك وأنا أجد أقوى منك ، قال : فاعذرني يا أمير المؤمنين ! قال : سأفعل ، ولو علمت غير ذلك لم أفعل ، قال : فقام عمر فعذره ، ثم أمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، وبقي الشام على أميرين : أبي عبيدة بن الجراح ، ويزيد بن أبي سفيان ، ثم توفي أبو عبيدة بن الجراح ، فاستخلف خالدا ، وابن عمه عياض بن غنم ، فأقره عمر ، فقيل لعمر : كيف تقر عياض بن غنم وهو رجل جواد لا يمنع شيئا يسئله ؟ وقد نزعت خالد بن الوليد في أن كان يعطي دونك ؟ فقال عمر : إن هذه شيمة عياض في ماله حتى يخلص إلى ماله ، وإني مع ذلك لم أكن لاغير أمرا قضاه أبو عبيدة ابن الجراح.
قال : ثم توفي يزيد بن أبي سفيان فأمر مكانه معاوية ، فنعاه عمر إلى أبي سفيان ، فقال : احتسب يزيد يا أبا سفيان ! قال : يرحمه الله ، فمن أمرت مكانه ؟ قال : معاوية ، قال : وصلتك رحم.
قال : ثم توفي عياض بن غنم ، فأمر مكانه عمير بن سعد الانصاري ، فكانت الشام على معاوية وعمير ، حتى قتل عمير.
فاستخلف عثمان بن عفان فعزل عميرا ، وترك الشام لمعاوية ، ونزع المغيرة بن شعبة عن الكوفة ، وأمر مكانه سعد بن أبي وقاص ، ونزع عمرو بن العاص عن مصر ، وأمر مكانه عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ونزع أبا موسى الاشعري ، وأمر مكانه عبد الله بن عامر بن كريز ، ثم نزع سعد بن أبي وقاص من الكوفة ، وأمر الوليد بن عقبة ، ثم شهد على الوليد فجلده ، ونزعه ، وأمر سعيد بن العاص مكانه ، ثم قال الناس ، ونشبوا في الفتنة ، فحج سعيد بن العاص ، ثم قفل من حجه ، فلقيه خيل العراق ، فرجعوه من العذيب ، وأخرج أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وأقر أهل البصرة عبد الله بن عامر ابن كريز ، فكان كذلك أول الفتنة ، حتى إذا قتل عثمان رحمه الله ، بايع الناس علي بن أبي طالب ، فأرسل إلى طلحة والزبير : إن شئتما فبايعاني ، وإن شئتما بايعت أحدكما ، قالا : بل نبايعك ، ثم هربا إلى مكة ، وبمكة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بما يتكلما به ، فأعانتهما على رأيهما ، فأطاعهم ناس كثير من قريش ، فخرجوا قبل البصرة يطلبون بدم ابن عفان ، وخرج معهم عبد الرحمن بن أبي بكر ، وخرج معهم عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، وعبد الله بن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن الزبير ، ومروان بن الحكم ، في أناس من قريش ، كلموا أهل البصرة ، وحدثوهم أن عثمان قتل مظلوما ، وأنهم جاءوا تائبين مما كانوا غلوا به في أمر عثمان ، فأطاعهم عامة أهل البصرة ، واعتزل الاحنف من تميم ، وخرج عبد القيس إلى علي بن أبي طالب بعامة من أطاعه ، وركبت عائشة جملا لها يقال له عسكر ، وهي في هودج قد ألبسته الدفوف - يعني جلود البقر فقالت : إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني ، قالت : ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال ، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدا ، قالت : فلم يسمع الناس كلامي ، ولم يلتفتوا إلي ، وكان القتال ، فقتل يومئذ سبعون من قريش ، كلهم يأخذ بخطام جمل عائشة حتى يقتل ، ثم حملوا الهودج حتى أدخلوه منزلا من تلك المنازل ، وجرح مروان جراحا شديدة ، وقتل طلحة بن عبيدالله يومئذ ، وقتل الزبير بعد ذلك بوادي السباع ، وقفلت عائشة ومروان بمن بقي من قريش ، فقدموا المدينة ، وانطلقت عائشة فقدمت مكة ، فكان مروان والاسود بن أبي البختري على المدينة وأهلها ، يغلبان عليها ، وهاجت الحرب بين علي ومعاوية ، فكانت بعوثهما تقدم المدينة ، وتقدم مكة للحج ، فأيهما سبق فهو أمير الموسم أيام الحج للناس ، ثم إنها أرسلت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة قالت أحداهما للاخرى : تعال نكتب إلى معاوية وعلي أن يعتقا من هذه البعوث التي تروع الناس ، حتى تجتمع الامة على أحدهما ، فقالت أم حبيبة : كفيتك أخي معاوية ، وقالت أم سلمة : كفيتك عليا ، فكتبت كل واحدة منهما إلى صاحبها ، وبعثت وفدا من قريش والانصار ، فأما معاوية فأطاع أم حبيبة ، وأما علي فهم أن يطيع أم سلمة ، فنهاه الحسن بن علي عن ذلك ، فلم يزل بعوثهما وعمالهما يختلفون إلى المدينة ومكة ، حتى قتل علي رحمه الله تعالى ، ثم اجتمع الناس على معاوية ، ومروان وابن البختري يغلبان على أهل المدينة في تلك الفتنة ، وكانت مصر في سلطان علي ابن أبي طالب ، فأمر عليها قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ، وكان حامل راية الانصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وغيره سعد بن عبادة ، وكان قيس من ذوي الرأى من الناس ، إلا ما غلب عليه من أمر الفتنة ، فكان معاوية وعمرو بن العاص جاهدين على إخراجه من مصر ، ويغلبان على مصر ، وكان قد امتنع منهما بالدهاء والمكيدة ، فلم يقدرا على أن يفتحا مصر ، حتى كاد معاوية قيس ابن سعد من قبل علي ، قال : فكان معاوية يحدث رجالا من ذوي الرأي من قريش ، فيقول : ما ابتدعت من مكيدة قط أعجب عندي من مكيدة كايدت بها قيس بن سعد من قبل علي وهو بالعراق حين امتنع مني قيس ، فقلت لاهل الشام : لا تسبوا قيسا ولا تدعوني إلى غزوه ، فإن قيسا لنا شيعة ، تأتينا كتبه ونصيحته ، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا، يجري عليهم أعطيتهم وأرزاقهم ، ويؤمن سربهم، ويحسن إلى كل راغب قدم عليه ، فلا نستنكره في نصيحته ، قال معاوية : وطفقت أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق ، فسمع بذلك من جواسيس على الذين هدي من أهل العراق ، فلما بلغ ذلك عليا ، ونماه إليه عبد الله بن جعفر ومحمد ابن أبي بكر الصديق ، اتهم قيس بن سعد ، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا ، وأهل خربتا يومئذ عشرة آلاف ، فأبى قيس أن يقاتلهم ، وكتب إلى علي : أنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم ، وذوي الحفاظ منهم ، وقد رضوا مني بأن أؤمن سربهم ، وأجري عليهم أعطياتهم ، وأرزاقهم ، وقد علمت أن هواهم مع معاوية ، فلست مكايدهم بأمر أهون علي وعليك من أن نفعل ذلك بهم اليوم ، ولو دعوتهم إلى قتالي كانوا قرناهم أسودان لعرب، وفيهم بسر بن أرطاة ، ومسلمة بن مخلد ، ومعاوية بن خديج الخولاني ، فذرني ورأيي فيهم ، وأنا أعلم بما أداري منهم ، فأبى عليه علي إلا قتالهم ، فأبى قيس أن يقاتلهم ، وكتب قيس إلى علي : إن كنت تتهمني فاعتزلني عن عملك وأرسل إليه غيري ، فأرسل الاشتر أميرا على مصر ، حتى إذا بلغ القلزم شرب بالقلزم شربة من عسل ، فكان فيها حتفه ، فبلغ ذلك معاوية وعمرو بن العاص ، فقال عمرو بن العاص : إن لله جنودا من عسل ، فلما بلغت عليا وفاة الاشتر ، بعث محمد بن أبي بكر أميرا على مصر ، فلما حدث به قيس بن سعد قادما أميرا عليه ، تلقاه ، فخلا به ، وناجاه ، وقال : إنك قد جئت من عند امرئ لا رأي له في الحرب ، وإنه ليس عزلكم إياي بمانعي أن أنصح لكم ، وإني من أمركم على بصيرة ، وإني أدلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرو بن العاص وأهل خربتا ، فكايدهم به ، فإنك إن كايدتهم بغيره تهلك ، فوصف له قيس المكايدة التي كايدهم بها ، فاغتشه محمد بن أبي بكر ، وخالفه في كل شئ أمره به ، فلما قدم محمد بن أبي بكر مصر ، خرج قيس قبل المدينة ، فأخافه مروان والاسود بن أبي البختري ، حتى إذا خاف أن يؤخذ ويقتل ، ركب راحلته فظهر إلى علي ، فكتب معاوية إلى مروان والاسود بن أبي البختري يتغيظ عليهما ، ويقول : أمددتما عليا بقيس بن سعد ، وبرأيه ومكايدته ، فوالله لو أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لى من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي ، فقدم قيس بن سعد إلى علي ، فلما بانه الحديث وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر ، عرف علي أن قيس بن سعد كان يداري منهم أمورا عظاما من المكايدة التي قصر عنها رأي علي ورأي من كان يوأزره على عزل قيس ، فأطاع علي قيسا في الامر كله ، وجعله على مقدمة أهل العراق ، ومن كان بأذربيجان ، وأرضها ، وعلى شرطة الخمسين الذين انتدبوا للموت ، وبايع أربعون ألفا كانوا بايعوا عليا على الموت ، فلم يزل قيس بن سعد يسد... ذلك الثغر حتى قتل علي.
واستخلف أهل العراق الحسن بن علي على الخلافة ، وكان الحسن لا يريد القتال ، ولكنه كان يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ، ثم يدخل في الجماعة ويبايع ، فعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على ذلك فنزعه ، وأمر مكانه عبيد الله بن العباس ، فلما عرف عبيدالله بن العباس الذي يريد الحسن أن يأخذ لنفسه ، كتب عبيد الله إلى معاوية يسأله الامان ، ويشترط لنفسه على الاموال التي أصاب ، فشرط ذلك معاوية له وبعث إليه ابن عامر في خيل عظيمة ، فخرج إليهم عبيدالله ليلا ، حتى لحق بهم ، وترك جنده الذين هم عليهم لا أمير لهم ، ومعهم قيس بن سعد ، فأمرت شرطة الخمسين قيس بن سعد ، وتعاهدوا وتعاقدوا على قتال معاوية وعمرو بن العاص ، حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا من الفتنة ، فخلص معاوية حين فرع من عبيدالله والحسن ، إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكيدة ، وعنده أربعون ألفا ، فنزل بهم معاوية وعمرو و أهل الشام أربعين ليلة ، يرسل معاوية إلى قيس ، ويذكره الله ، ويقول : على طاعة من تقاتلني ؟ ويقول : قد بايعني الذي تقاتل على طاعته ، فأبي قيس أن يقر له ، حتى أرسل معاوية بسجل قد ختم له في أسفله ، فقال : أكتب في هذا السجل ، فما كتبت فهو لك ، فقال عمرو لمعاوية : لا تعطه هذا وقاتله ، فقال معاوية - وكان خير الرجلين - : على رسلك ، يا أبا عبد الله ، فإنا لن نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يُقتل عددهم من أهل الشام ، فما خير الحياة بعد ذلك ؟ وإني والله لا أقاتله حتى لا أجد من ذلك بدا، فلما بعث إليه معاوية بذلك السجل ، اشترط قيس بن سعد لنفسه ، ولشيعة علي الامان على ما أصابوا من الدماء ، والاموال ، ولم يسأل معاوية في ذلك مالا ، فأعطاه معاوية ما اشترط عليه ، ودخل قيس ومن معه في الجماعة ، وكان يعد في العرب حتى ثارت الفتنة الاولى خمسة ، يقال لهم ذوو رأي العرب ومكيدتهم ، يُعَدّ من قريش معاوية ، وعمرو ، ويعد من الانصار قيس بن سعد ، ويعد من المهاجرين عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، ويعد من ثقيف المغيرة بن شعبة ، فكان مع علي منهم رجلان : قيس بن سعد وعبد الله بن بديل ، وكان المغيرة معتزلا بالطائف وأرضها ، فلما حكم الحكمان فاجتمعا بأذرح وافاهما المغيرة بن شعبة ، وأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر ، وإلى عبد الله بن الزبير ، ووافى رجالا كثيرا من قريش ، ووافى معاوية بأهل الشام ، ووافى أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص ، وهما الحكمان ، وأبي علي وأهل العراق أن يوافوا ، فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي رأي أهل قريش : هل ترون أحدا يقدر على أن يستطيع أن يعلم أيجتمع هذان الحكمان أم لا ؟ فقالواله : لا نرى أن أحدا يعلم ذلك ، قال : فوالله إني لاظنني سأعلمه منهما حين أخلو بهما فأراجعهما ، فدخل على عمرو ابن العاص فبدأ به ، فقال : يا أبا عبد الله أخبرني عما أسالك عنه ، كيف ترانا معشر المعتزلة؟ فإنا قد شككنا في هذا الامر الذي قد تبين لكم في هذا القتال ، ورأينا نستأني ونتثبت ، حتى تجتمع الامة على رجل ، فندخل في صالح ما دخلت فيه الامة ، فقال عمرو : أراكم معشر المعتزلة خلف الابرار ، ومعشر الفجار.
فانصرف المغيرة ، ولم يسأله عن غير ذلك ، حتى دخل على أبي موسى الاشعري ، فخلا به ، فقال له نحوا مما قال لعمرو ، فقال أبو موسى : أراكم أثبت الناس رأيا ، وأرى فيكم بقية المسلمين ، فانصرف فلم يسأله عن غير ذلك ، قال : فلقي أصحابه الذين قال لهم ما قال من ذوي رأي قريش ، قال : أقسم لكم ، لا يجتمع هذان على رجل واحد ، وليدعون كل واحد منهما إلى رأيه.
فلما اجتمع الحكمان وتكلما خاليين ، فقال عمرو : يا أبا موسى ! أرأيت أول ما نقضي به في الحق علينا أن نقضي لاهل الوفاء بالوفاء ، ولاهل الغدر بالغدر ، فقال أبو موسى : وماذاك ؟ قال : ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وافوا للموعد الذي وعدناهم إياه ، فقال :فاكتبها ، فكتبها أبو موسى ، فقال عمرو : قد أخلصت أنا وأنت أن نسمي رجلا يلي أمر هذه الامة فسم يا أبا موسى ، فإني أقدر على أن أبايعك على أن تبايعني ، فقال أبو موسى : أُسمي عبد الله بن عمر بن الخطاب - وكان عبد الله بن عمر فيمن اعتزل - فقال عمرو : فأنا أسمي لك معاوية بن أبي سفيان ، فلم يبرحا من مجلسهما ذلك حتى اختلفا واستبا ، ثم خرجا إلى الناس ، ثم قال أبو موسى : يا أيها الناس ! إني قد وجدت مثل عمرو بن العاص مثل الذي قال الله تبارك وتعالى * (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) * حتى بلغ (لعلهم يتفكرون) . وقال عمرو بن العاص : يا أيها الناس ! إني وجدت مثل أبي موسى مثل الذي قال الله تبارك وتعالى : * (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) * حتى بلغ(الظالمين) . ثم كتب كل واحد منهما بالمثل الذي ضرب لصاحبه إلى الامصار.
قال الزهري عن سالم عن ابن عمر ، قال معمر : وأخبرني ابن طاووس عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال : فقام معاوية عشية ، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، فمن كان متكلما في هذا الامر فليطلع لي قرنه ، فوالله لا يطلع فيه أحد إلا كنت أحق به منه ومن أبيه ، قال : يعرض بعبد الله بن عمر ، قال عبد الله بن عمر : فأطلقت حَبْوتي ، فأردت أن أقوم إليه ، فأقول : يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الاسلام ، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع ، وتسفك فيه الدماء ، وأحمل فيه على غير رأي ، فكان ما وعد الله تبارك وتعالى في الجنان أحب إلي من ذلك ، قال : فلما انطلقت إلى منزلي أتاني حبيب بن مسلمة ، فقال : ما الذي منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل أن يتكلم ؟ فقلت له : لقد أردت ذلك ، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع ، وتسفك فيها الدماء ، وأحمل فيها على غير رأي ، فكان ما وعد الله تبارك وتعالى في الجنان أحب إلي من ذلك كله ، فقال حبيب بن مسلمة لعبد الله بن عمر : فداك أبي وأمي ، فإنك عصمت ، وحفظت مما حفت عرته.
Tercemesi:
Açıklama:
Yazar, Kitap, Bölüm:
Abdürrezzak b. Hemmam, Musannef, Meğâzî 9770, 5/452
Senetler:
1. Ebu Bekir Muhammed b. Şihab ez-Zührî (Muhammed b. Müslim b. Ubeydullah b. Abdullah b. Şihab)
2. Ebu Urve Mamer b. Raşid el-Ezdî (Mamer b. Râşid)
Konular:
İtaat, Allah'a ve Rasûlüne itaat
Savaş, ordu komutanlığı, komutanlar
Siyer, Habeşistan'dan Medine'ye Hicret
Yönetim, İtaat, emir sahiplerine